مشروعك في التجارة الإلكترونية:
هل هو جاهز وأنت لا تدري؟
هل هو جاهز وأنت لا تدري؟
مدرب ومرشد التجارة الإلكترونية والعمل الحر عبر الإنترنت، مستشار مشاريع تنموية في تطوير المهارات، كاتب وصانع محتوى.
مرشد مهني معتمد CCSP. ومحترف إدارة مشاريع تنموية PMD.
تشهد التجارة الإلكترونية في السعودية نموًا متسارعًا يجعلها من أكثر القطاعات حيوية في الاقتصاد الرقمي في المنطقة، إذ بلغت مبيعات التجارة الإلكترونية في المملكة عبر بطاقات (مدى) مثلاً نحو 325.2 ريال لعام 2025 ، بنمو يقارب 65% مقارنة بعام 2024، وهو أعلى مستوى تاريخيًا (بحسب البنك المركزي السعودي – ساما) مع توقعات بمواصلة النمو القوي خلال السنوات المقبلة، مدفوعة بارتفاع أعداد المستخدمين وانتشار وسائل الدفع الرقمي وتطور البنية التحتية اللوجستية. (المصدر من صحيفة أرقام).
كما تشير البيانات الحديثة إلى أن نسبة كبيرة من المستهلكين في المملكة باتوا يعتمدون على الشراء عبر الإنترنت بشكل منتظم، مع تزايد واضح في الإقبال على المتاجر الإلكترونية المحلية، ما يعكس تحوّلًا حقيقيًا في سلوك الشراء وتبنّي نمط حياة رقمي متكامل يدعم نمو هذا القطاع ويعمّق فرصه المستقبلية. هذه المؤشرات مجتمعة تؤكد أن التجارة الإلكترونية لم تعد خيارًا هامشيًا أو تجربة جانبية، بل أصبحت مسارًا رئيسيًا للنمو والتوسع للأفراد والمنشآت على حد سواء، وبيئة خصبة لفرص جديدة، خاصة في جانب الخدمات المساندة والتحول الرقمي.
ولأن التجارة الإلكترونية قطاع متكامل له احتياجات كثيرة وفيه فرص أكثر، وليس مجرد نموذج عمل واحد، فإن النظر إليها فقط باعتبار مجرد فرصة لــ (إنشاء متجر إلكتروني خاص لبيع المنتجات للمستهلكين) دائماً، يُفوت على المهتمّين مساحة واسعة من الإمكانات المتاحة. إذ تبدو هذه الرحلة ليست بنفس المستوى من السلاسة والسهولة للجميع من مرحلة البحث عن الفكرة والمنتج والمورّد (المحلّي أو الدولي) والتسعير واستكشاف منصات المتاجر والأسواق الإلكترونية وتجهيز وتهيئة المتجر وصولاً إلى تصوير المنتج وكتابة المحتوى وإعداد السياسات والبدئ بعمليات التسويق الرقمي وخدمة العملاء وتجهيز الطلبات ومتابعة العمليات اللوجستية. والجيد هنا أن هذه السلسلة من الخطوات الكثيرة ليست هي نموذج الربح والاستثمار الوحيد في قطاع التجارة الإلكترونية.
هذا المقال موجه تحديدًا لمن لا يزال يستكشف خطواته الأولى في عالم التجارة الإلكترونية، ويتابع بشغف قصص النجاح، لكنه في الوقت نفسه يشعر بصعوبة الاختيار من بين بحر النماذج والفرص المتعددة. كثيرون يقفون في منتصف الطريق؛ بين رغبة صادقة في دخول المجال، وبين حيرة أمام كثرة الخيارات: هل أبدأ بمتجر لمنتجات مادية؟ أم أختار منتجًا رقميًا؟ أم أنضم إلى التسويق بالعمولة؟ تتضاعف الحيرة حين يرى سيل المنتجات التي لا ينتهي قديمها حتى يطل جديدها في كل يوم، فيشعر أن القرار يتطلب مخاطرة عالية، ووقتًا طويلًا، واستثمارًا ربما لا يحتمله في البداية.
أكثر من ٣٠ مدينة صناعية في المملكة، تضم آلاف المصانع من مختلف القطاعات والمستويات، وتنتج مئات الآلاف من المنتجات التي تتفاوت شهرتها والإقبال عليها، والسؤال: هل تحولت كلها إلى التجارة الإلكترونية؟ هل لديها كلها متاجر إلكترونية خاصة؟ هل تتواجد منتجاتها كلها على منصات الأسواق الإلكترونية مثل نون وأمازون وترنديول وغيرها؟
تلك التي أطلقت متاجرها الإلكترونية: هل كلها تدار بطريقة فعّالة ويشرف عليها فريق متمكن في إنشاء المتجر الإلكتروني وإدارة المحتوى والتسويق الرقمي؟ وتلك التي لم تطلق متاجرها بعد: هل يكمن للمهتم عرض خدمة إنشاء المتجر الإلكتروني لهم كخدمة مدفوعة مع تدريب موظفيهم على إدارة المتجر ؟ أو تقديم خدمة إدارة المتجر بالكامل مع إنشائه ؟ أو على الأقل الترويج والتسويق لمنتجات المصنع من خلال متجر يملكه المهتم أو من خلال عرضها على منصات مثل نون وأمازون وفق نسبة أو سعر يتم الاتفاق عليه؟
هذا سوق كبير يمكن اختباره والبدء من خلاله..ولا يقتصر فقط على المدن الصناعية أو المصانع ويمتد ليشمل مختلف المشاريع والمحلات والعلامات التجارية، بل وحتى مشاريع الأسر المنتجة والحرفيّيين..
هذا ما نعنيه بأن مشروعك في التجارة الإلكترونية قد يكون جاهزاً وأنت لا تدري، قد لا تحتاج إلى البحث بعيداً عمّا هو موجود فعلاً في سوقنا المحلي ولكن ليس متاحاً عبر الإنترنت بعد وبشكل جيد. لذا، نطرح دعوة للتأمل في مختلف الفرص التي تنشأ حول الاستفادة من المشاريع التجارية والمنشآت القائمة فعلياً في سوقنا المحلي باعتبارها من نوافذ الدخول إلى عالم التجارة الإلكترونية، عبر فكرة أساسية: (مساعدة المنشآت القائمة فعلياً في رحلتها للتحول الرقمي نحو التجارة الإلكترونية ودعما عبر إدارة عملياتها التجارية عبر الإنترنت) بدلاً من أن يجد المهتم نفسه ببدء رحلة جديدة من الصفر يتحمل فيها هو مسؤولية كل شيء.
وبتعبير آخر أدق: يمكن للمهتم بيع خدمة “التحول الرقمي” على المنشآت بمختلف نماذج أعمالها التجارية، سواء كانت تبيع خدمات أو منتجات، بدل الانشغال الحصري بفكرة إنشاء متجر إلكتروني خاص، بمخزون منتجات خاص، وعلامة تجارية مستقلة.
يمكن لأي شخص مهتم بالتجارة الإلكترونية أن يختار دورًا مختلفًا عن الصورة النمطية المتداولة؛ دور “العنصر المحفِّز” في رحلة التحول الرقمي للمنشآت والمشاريع القائمة. سواء كانت هذه المنشآت على هيئة محلات تجارية في الأحياء والأسواق، أو معارض متوسطة وكبيرة، أو حتى مصانع لديها خطوط إنتاج قائمة لكنها لم تستثمر بعد إمكانات البيع عبر الإنترنت. في هذا الدور، لن تكون مجرد منفّذ لموقع إلكتروني أو حساب في منصة اجتماعية، بل شريكًا يساهم في نقل نشاط تجاري من مرحلة الاعتماد على الأساليب التقليدية إلى مرحلة الاستفادة من فضاء رقمي أوسع وأكثر ديناميكية.
نقطة الانطلاقة الأقرب ليست فكرة بعيدة أو مشروعًا مؤجلًا، بل المنشآت القائمة فعليًا حولك. هذه المتاجر والمحلات والمصانع التي تملك منتجات جاهزة، وزبائن حاليين، وسمعة في محيطها، لكنها لم تترجم كل ذلك إلى حضور رقمي يعكس حجم إمكاناتها. حين تتوجه إليها بعرض واضح: “سأساعدكم على الدخول إلى التجارة الإلكترونية بخطوات مدروسة”، فأنت لا تبيع لهم موقعًا فقط، بل تبيع لهم أملًا في التوسع، وزيادة في المبيعات، واستثمارًا أفضل لجهدهم المتراكم عبر السنوات في عالم جديد هو امتداد طبيعي لنشاطهم.
الدور الذي يمكن أن تلعبه هنا يشمل فهم نشاط المنشأة أولًا، وتحليل طبيعة منتجاتها وجمهورها، ثم اقتراح نموذج رقمي مناسب: قد يكون متجرًا إلكترونيًا بسيطًا في البداية، سواء كان متجراً مستقلاً أو على منصة سوق إلكتروني، أو حضورًا منظمًا على منصات التواصل، أو ربطًا بينهما بخطة محتوى وحملات إعلانية متدرجة. مع الوقت، يمكنك أن تطور خدماتك لتشمل تحسين تجربة العميل، وتطوير أساليب خدمة ما بعد البيع، ومتابعة مؤشرات الأداء، ومساعدة المنشأة على اتخاذ قرارات مبنية على بيانات، لا على الانطباعات والحدس فقط.
في قلب هذه الرحلة يأتي تعلم التسويق الرقمي كحجر الزاوية الذي لا غنى عنه. التقنية وحدها لا تكفي؛ فوجود متجر إلكتروني دون قدرة على جلب الزوار وتحويلهم إلى عملاء هو مجرد واجهة جميلة بلا أثر حقيقي. التسويق الرقمي هو المهارة التي تربط بين المنشأة وجمهورها المستهدف، وتحوّل الأدوات التقنية إلى نتائج ملموسة في صورة مبيعات، وولاء عملاء، وانتشار أوسع للعلامة التجارية. كل من يتقن مبادئ التسويق الرقمي، من فهم الجمهور وصياغة الرسائل المناسبة له، إلى إدارة الحملات الإعلانية وتحليل الأداء، يضع نفسه في موقع مميز لخدمة مئات المنشآت الباحثة عمن يقودها في هذا الاتجاه.
بهذا المنظور، تتحول التجارة الإلكترونية من “مشروع واحد” إلى “منظومة فرص”، وتتحول أنت من “باحث عن منتج يبيعه” إلى “مقدّم قيمة” لمشاريع جاهزة تبحث عمن يأخذ بيدها إلى المرحلة التالية. وربما تكتشف، بعد رحلة من العمل مع هذه المنشآت، أنك أصبحت تملك من الفهم العميق للسوق والعملاء ما يجعلك أكثر قدرة على إطلاق مشروعك الخاص لاحقًا، إن رغبت، لكن هذه المرة بخبرة، وعلاقات، ونضج أكبر بكثير من مرحلة البدايات المترددة.
ليست هناك ضرورة للاستقلال بمشروع كامل على هيئة متجر إلكتروني في أول الطريق، ولا حاجة لأن يضطر صاحب الفكرة إلى “شراء أو تصنيع” مخزونه الخاص من المنتجات وربما بعلامة تجارية جديدة، ثم يتحمل مسؤولية التخزين، والتوريد، والمخاطر المرتبطة بتقلّبات الطلب، والتنافس مع علامات راسخة. هذا المسار صالح لمن امتلك رأس المال والخبرة والقدرة على الصبر، لكنه ليس الخيار الوحيد أمام كل من يريد أن يكون جزءًا من عالم التجارة الإلكترونية. هناك مسار آخر أقل مخاطرة وأقرب إلى الإمكان، وهو أن تجعل من معرفتك الرقمية وخبرتك العملية منتجك الحقيقي، فتبيعه على شكل خدمات تحول رقمي للآخرين.
في النهاية، الفكرة ليست في أن تمتلك متجرًا إلكترونيًا بأي ثمن، بل في أن تجد موقعك المناسب داخل هذا القطاع المتنامي، وفقًا لمهاراتك ومواردك الحالية. إذا كنت في بداياتك، وتتقن أو تستطيع تعلّم التسويق الرقمي وأساسيات بناء الحضور الإلكتروني، فإن خدمة التحول الرقمي للمنشآت القائمة قد تكون واحدة من أقرب وأذكى النقاط لتبدأ منها، وتبني عبرها مشروعًا متدرج النمو، مستندًا إلى حاجة حقيقية في السوق، ومتسقًا مع مرحلة نضوج التجارة الإلكترونية في السعودية اليوم.
التعرف على مجموعة من أبرز المحلات والعلامات التجارية، والمصانع، والمنتجات، وحجم الإقبال عليها والاحتياج لها، وأي منها متاح بسهولة وبوفرة عبر الإنترنت (متجر خاص بالمنشأة أو على نون وأمازون) وأي منها غير متاح حتى الآن أو لا يدار بشكل جيد.
الخروج من الخطوة السابقة بقائمة مختصرة فيها أسماء الجهات والمنتجات المحلية (الأوفر حظاً) أو الأكثر احتمالية للبدء من خلالها: منتجات جيدة ومرغوبة، موجودة محلياً، وتباع في السوق ولكنها غير متوفرة بشكل كافي أو واضح على الإنترنت، أو غير متوفرة عبر الإنترنت إطلاقاً. إما أن المنشأة ليس لديها متجر إلكتروني للآن (سواء مستقل أو على منصات الأسواق الإلكترونية مثل نون وأمازون) أو أن متجرها ضعيف ولا يدار بشكل جيد.
الوصول بيانات التواصل مع الجهة إما من خلال حسابهم في خرائط قوقل، أو موقعهم الإلكتروني، أو الوصول منسبويهم من خلال منصة لينكدإن مثلاً. أو الزيارة المباشرة للمكان.
عند التواصل مع الجهة، يمكن طرح عدة أفكار واضحة:
إنشاء متجر إلكتروني خاص بالجهة وتجهيزه بالكامل (محتوى ، صور ، منتجات، أسعار، دفع إلكتروني، ربط لوجستي، عناوين خدمة العملاء، خطة محتوى تسويقي) وتسليمه للجهة مع تدريب طاقمها عليه. أو تقديم خدمة إدارته عن الاتفاق أيضاً.
إنشاء متجر إلكتروني للجهة على منصة نون وأمازون، وكذلك يمكن تدريب موظفيهم على إدارته أو استلام مسؤولية إدارته عند الاتفاق.
تطوير المتجر الإلكتروني القائم في حال كانت الجهة تملك متجراً إلكترونياً بالفعل مع دراسة نقاط الضعف واقتراح خطط التطوير.
في حال لم تناسب أي من هذه الأفكار تلك الجهة، أو عدم اهتمام / تركيز الجهة بالتواجد عبر الإنترنت مثلاً، وعند وجود علامات على أن المنتجات التي يقدمونها ستحظى بالإقبال عبر الإنترنت، يمكن للمهتم إنشاء المتجر لنفسه وإضافة تلك المنتجات إليه على أن يتم الاتفاق على طريقة تلبية الطلبات (دون شراء المخزون من الجهة في حال كان ذلك ممكناً، يقوم بعضهم بشراء المنتج بعد وجود طلب عليه في المتجر وثم شحنه للعميل، بينما يتفق البعض الآخر مع الجهة نفسها على تجهيز المنتج للشحن عند وجود طلب عليه في المتجر، عبر التواصل المباشر بين مدير المتجر وأحد الموظفين).
أو يمكن للمهتم إنشاء المتجر الخاص به على منصة نون وأمازون وتغذيته بالمنتجات نفسها، وتوريد كمية محدودة منها إلى مستودعات نون وأمازون لتباع بنظام FBN - FBA للاختبار وثم زيادة المنتجات تدريجياً ويمكن أن يكون هذا بالاتفاق مع الجهة نفسها وقد يمكن الحصول على تخفيض في أسعار المنتجات لإعادة بيعها عبر الإنترنت.